السيد محمدحسين الطباطبائي
325
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ . « 1 » أقول : وهذه الآيات - كما ترى بين - ما يفيد : أنّ كلّ موجود سماويّ أو أرضيّ تصل إليه الموهبة الإلهيّة - من وجوده إلى متعلّقات وجوده - بالسؤال من معدن الرحمة ومنبع الجود ، وبين ما يفيد : أنّ الدعاء فطريّ للإنسان ، وأنّه بفطرته يدعو اللّه تعالى ، لا يتخطّاه في سؤال النجاة إلى غيره ما دام يتغلغل في الشدّة ، فلا يزال يذكره ويدعوه ، حتى إذا كشف عنه الضرّ واستظلّ بالرخاء نسي ربّه واشتغل بملاهي الدنيا وتعلّق بالأسباب ، فأشرك بربّه ، فهو مشرك وليس بكافر وإن جحد ربّه ؛ فإنّ الإنسان سائل داع للّه بالفطرة لا يترك ذلك البتّة ، فإذا تعلّق بغيره فقد أشرك ، وإن زعم أنّه لا يدعوه ولا يسأله سبحانه ، فلا تبديل لخلق اللّه ، هذا . وقال تعالى : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ . « 2 » أقول : والآية دعوة إلى الدعاء ووعد بالإجابة وتزيد على ذلك أنّها تسمّي مطلق العبادة دعاءا ، « 3 » ولو لم يكن مثل الصلاة ، وهذا باب ينفتح منه أبواب . وقال سبحانه : فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ « 4 » وقال تعالى : وَادْعُوهُ
--> ( 1 ) . الأنعام ( 6 ) : 63 - 64 . ( 2 ) . غافر ( 40 ) : 60 . ( 3 ) . الصحيح « الدعاء عبادة » وإن كان يمكن تقريب استفادة جعل العبادة دعاءا من الآية ، لكن هذا ليس من باب التسمية . ( 4 ) . غافر ( 40 ) : 14 .